فصل: تفسير الآيات رقم (27- 29)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

انتقال من وصف تكذيبهم بالآيات واستهزائهم بها ثم من أمر المؤمنين بالصفح عنهم وإيكال جزاء صنائعهم إلى الله ثم من التثبيت على ملازمة الشريعة الإسلامية إلى وصف صنف آخر من ضلالهم واستهزائهم بالوعد والوعيد وإحالتهم الحياة بعد الموت والجزاءَ على الأعمال وتخييلهم للناس أنهم يصيرون في الآخرة، على الحال التي كانوا عليها في الدنيا، عظيمهم في الدنيا عظيمهم في الآخرة، وضعيفهم في الدنيا ضعيفهم في الآخرة، وهذا الانتقال رجوع إلى بيان قوله‏:‏ ‏{‏من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربّكم ترجعون‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 15‏]‏‏.‏

فحرف ‏{‏أم‏}‏ للإضراب الانتقالي، والاستفهام الذي يلزم تقديره بعد ‏{‏أمْ‏}‏ استفهام إنكاري، والتقدير‏:‏ لا يحسب الذين اجترحوا السيئات أنهم كالذين آمنوا لا في الحياة وفي في الممات‏.‏ و‏{‏الذين اجترحوا السيئات‏}‏ في نقل عن ابن عباس‏:‏ أنهم المشركون كما يؤذن به الانتقال من الغرض السابق إلى هذا الغرض وإنما عبر عنهم بهذا العنوان لما في الصلة من تعليل إنكار المشابهة والمساواة بينهم وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله في عالم الخلد ولأن اكتساب السيئات من شعار أهل الشرك إذ ليس لهم دين وازع يزعهم عن السيئات ولا هم مؤمنون بالبعث والجزاء، فيكون إيمانهم به مرغباً في الجزاء، ولذلك كثُر في القرآن الكناية عن المشركين بالتلبس بالسيئات كقوله‏:‏ ‏{‏ويلٌ للمطففين‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ألاَ يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 1 5‏]‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 42 46‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 1 3‏]‏ ونظيره ‏{‏أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 4‏]‏، فإن ذلك حال الكفار، وأما المؤمن العاصي فلا تبلغ به حاله أن يحسب أنه مفلت من قدرة الله‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في قوم من المشركين‏.‏ قال البغوي‏:‏ نزلت في نفر من مشركي مكة قالوا للمؤمنين‏:‏ لئن كان ما تقولون حقاً لنفضلنّ عليكم في الآخرة كما فضّلنا عليكم في الدنيا‏.‏ وعن الكلبي‏:‏ أن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قالوا لعلي وحمزة وبعض المسلمين‏:‏ والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقاً أي إن كان البعث حقاً لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما أنّا أفضل حالاً منكم في الدنيا‏.‏ وتأويل نزول هذه الآية على هذا السبب أن حدوث قول هؤلاء النفر صادف وقت نزول هذه الآيات من السورة أو أن قولهم هذا متكرر فناسب تعرض الآية له حقه‏.‏

ونزول الآية على هذا السبب لإبطال كلامهم في ظاهر حاله وإن كانوا لم يقولوه عن اعتقاد وإنما قالوه استهزاء، لئلا يروج كلامهم على دهمائهم وَالحديثين في الإسلام لأن شأن التصدّي للإرشاد أن لا يغادر مغمزاً لرواج الباطل إلا سدّه، كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏أفرأيتَ الذي كفر بآياتنا وقال لأُوتَيّن مالاً وولداً أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهداً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 77، 78‏]‏ وله نظائر في القرآن‏.‏ وزاد القرطبي في حكاية كلام الكلبي أنهم قالوه حين برزوا لهم يوم بدر، وهو لا يستقيم لأن السورة مكية ولم ينقل عن أحد استثناء هذه الآية منها‏.‏

والاجتراح‏:‏ الاكتساب، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، وهو مشتق من الجرح فأطلق على اكتساب السباع ونحوها، ولذلك سميت كلاب الصيد جوارحَ وسمي به اكتساب الناس لأن غالب كسبهم في الجاهلية كان من الإغارة على إبل القوم وهي بالرماح، قالت أم زرع‏:‏ فنكحتُ بعدَه رَجُلاً سريّاً، ركب شَريّاً، وأخذ خطباً وأراح عليَّ نَعَماً ثَرَياً، ولذلك غلب إطلاق الاجتراح على اكتساب الإثم والخبيث‏.‏

وظاهر تركيب الآية أن قوله‏:‏ ‏{‏سواء محياهم ومماتهم‏}‏ داخل في الحسبان المنكور فيكون المعنى‏:‏ إنكار أن يستوي المشركون مع المؤمنين لا في الحياة ولا بعد الممات، فكما خالف الله بين حالَيْهم في الحياة الدنيا فجعل فريقاً كفرة مسيئين وفريقاً مؤمنين محسنين، فكذلك سيخالف بين حاليهم في الممات فيموت المشركون على اليأس من رحمة الله إذ لا يوقنون بالبعث ويلاقون بعد الممات هول ما توعدهم الله به، ويموت المؤمنون رجاء رحمة الله والبشرى بما وُعدوا به ويلاقون بعد الممات ثواب الله ورضوانه‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سواء‏}‏ مرفوعاً فيكون موقع جملة ‏{‏سواء محياهم‏}‏ موقع البدل من كاف التشبيه التي هي بمعنى مِثل على ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» يريد أنه بدل مطابق لأن الجملة تبدل من المفرد على الأصح، والبدل المطابق هو عطف البيان عند التحقيق، فيكون جملة ‏{‏سواء محياهم ومماتهم‏}‏ بيانَ ما حسبه المشركون‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف منصوباً، فلفظُ ‏{‏سواء‏}‏ وحده بدل من كاف المماثلة، بَدَل مفرد من مفرد أو حال من ضمير النصب في ‏{‏نجعلهم‏}‏‏.‏ وهذا لأن المشركين قالوا للمسلمين‏:‏ سنكون بعد الموت خيراً منكم كما كنا في الحياة خيراً منكم‏.‏

فضمير ‏{‏محياهم‏}‏ وضمير ‏{‏مماتهم‏}‏ عائدان لكل من الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا على التوزيع، أي مَحْيَا كلِّ مساوٍ لمماته، أي لا يتبدل حال الفريقين بعد الممات بل يكُونون بعد الممات كما كانوا في الحياة غير أن موقع كاف التمثيل في قوله‏:‏ ‏{‏كالذين آمنوا‏}‏ ليس واضح الملاقاة لحُسبان المشركين المسلطِ عليه الإنكار لأنهم إنما حسبوا أن يكونوا بعد الممات على تقدير وقوع البعث أحسنَ حالاً من المؤمنين لا أن يكونوا مثل المؤمنين لأنهم قالوا ذلك في مقام التطاول على المؤمنين، وإرادة إفحامهم بسفسطتهم‏.‏ فبِنا أن نبين موقع هذا الكاف في الآية‏.‏

والذي أرى‏:‏ أن موقعه الإيماء إلى أن الله قدّر للمؤمنين حسن الحال بعد الممات حتى صار ذلك المقدَّر مَضرِبَ الأمثال ومناط التشبيه، وإلى أن حُسبان المشركين أنفسَهم في الآخرة على حالة حسنة باطل، فعبر عن حسبانهم الباطللِ بأنهم أثبتوا لأنفسهم في الآخرة الحال التي هي حال المؤمنين، أي حسب المشركون بزعمهم أن يكونوا بعد الموت في حالة إذا أراد الواصف أن يصفها وصفها بمشابهة حال المؤمنين في عندِ الله وفي نفس الأمر، وليس المراد أن المشركين مَثَّلوا حالهم بحال المؤمنين فيؤول قوله‏:‏ ‏{‏كالذين آمنوا‏}‏ إلى حكاية الكلام المحكي بعبارة تساويه لا بعبارة قائله، وذلك مما يتوسع فيه في حكاية الأقوال كقوله تعالى حكاية عن عيسى

‏{‏ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله، ربّي وربّكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 117‏]‏ فإن ما أمره الله به‏:‏ أن اعبدوا الله ربَّك وربّهم، وذلك من خلاف مقتضى الظاهر دعا الله هنا قصد التنويه بالمؤمنين والعناية بزلفاهم عند الله، فكأنه قيل‏:‏ أحسبوا أن نجعلهم في حالة حسنة ولكن هذا المأمول في حسبانهم هو في نفس الأمر حال المؤمنين لا حالُهم‏.‏ فأُوجز الكلام، وفَهْم السامع يبسطه‏.‏ والمواجه بهذا الكلام هم النبي والمؤمنون تكملة للغرض المبتدأ به في قوله‏:‏ ‏{‏قل للذي آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 14‏]‏ على أن لك أن تجعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالذين آمنوا‏}‏ معترضاً بين مفعولي ‏(‏نجعل‏)‏ وهما ضميرا الغائبين وجملة ‏{‏سواء محياهم‏}‏ أو ولفظ ‏{‏سواء‏}‏ في قراءة نصبه فلا يكون مراداً إدخاله في حسبان المشركين‏.‏

ويجوز على هذا أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏كالذين آمنوا‏}‏ تهكماً على المشركين في حسبانهم تأكيداً للإنكار عليهم‏.‏

ومِن خلاف ظاهر التركيب ما قيل‏:‏ إن مدلول ‏{‏سواء محياهم ومماتهم‏}‏ ليس من حسبان المشركين المنكور ولكنه كلام مستأنف، والمعنى‏:‏ أنه لما أنكر حسبان استواء الكافرين والمؤمنين خطر ببال السامع أن يسأل كيف واقعُ حال الفريقين فأجيب بأن حال محياهم هو مقياس حال مماتهم، أي حالهم في الآخرة مختلف كما هو في الدنيا مختلف، فالمؤمنون يحيون في الإقبال على ربهم ورجاء فضله، والكافرون يعيشون معرضين عن عبادة ربّهم آيسين من البعث والجزاء‏.‏ وهذا ليس عين الجواب ولكنه من الاكتفاء بعلة الجواب عن ذكره‏.‏ والتقدير‏:‏ حال الفريقين مختلف في الآخرة كما كان مختلفاً في الحياة‏.‏

وجملة ‏{‏ساء ما يحكمون‏}‏ تذييل لما قبلها من إنكار حسبانهم وما اتصل بذلك الإنكار من المعاني‏.‏ واعلم أن هذه الآية وإن كان موردها في تخالف حالي المشركين والمؤمنين فإن نوط الحكم فيها بصلة ‏{‏الذين اجترحوا السيئات‏}‏ يجعل منها إيماء إلى تفاوت حالي المسيئين والمحسنين من أهل الإيمان وإن لم يحسب أحد من المؤمنين ذلك وعن تميم الداري أنه بات ليلة يقرأ هذه الآية ويركع ويسجد ويبكي إلى الصباح‏.‏ وروي مثل ذلك عن الربيع بن خيثم وعن الفضيل بن عياض‏:‏ أنه كان كثيراً ما يردد من أول الليل هذه الآية ثم يقول‏:‏ ليت شعري من أي الفريقين أنت‏.‏ يخاطب نفسه فكانت هذه الآية تسمى مَبكاة العابدين‏.‏

والمحيا والممات‏:‏ مصدران ميميان أو اسما زَمان، أي حياتهم وموتهم، وهو على كلا الاعتبارين بتقدير مضاف، أي حالة محياهم وحالات مماتهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

الجملة معترضة والواو اعتراضية وهو اعتراض بين الكلام المتقدم وبين ما فرع عليه من قوله‏:‏ ‏{‏أفرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 23‏]‏ هو كالدليل على انتفاء أن يكون الذين اجترحوا السيئات الذين هم في بحبوحة عيش مدة حياتهم أن يكونوا في نعيم بعد مماتهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات مدة حياتهم فكان جزاؤهم النعيم بعد مماتهم، أي بعد حياتهم الثانية بأنَّ خلق السماواتتِ والأرض بالعدل يستدعي التفاوت بين المسيء والمحسن، والانتصاف للمعتدَى عليه من المعتدي‏.‏

ووجه الاستدلال أن خلق السماوات والأرض تبين كونه في تمام الإتقان والنظام بحيث إن دلائل إرادة العدل في تصاريفها قائمة، وما أودعه الخالق في المخلوقات من القوى مناسب لتحصيل ذلك النظام الذي فيه صلاحهم فإذا استعملوها في الإفساد والإساءة كان من إتمام إقامة النظام أن يُعاقبوا على تلك الإساءة والمشاهدُ أن المسيء كثير ما عكَف على إساءته حتى المماتتِ، فلو لم يكن الجزاء بعد الموت حصل اختلال في نظام خلق المخلوقات وخلققِ القوى الصادرِ عنها الإحسان والإساءة، وهذا المعنى تكرر في آيات كثيرة وكلما ذكر شيء منه أتبع بذكر الجزاء، وقد تقدم في سورة آل عمران ‏(‏191‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار‏}‏ وقوله في سورة الدخان ‏(‏38 40‏)‏ وما خلقْنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين‏.‏

والباء في قوله‏:‏ بالحق‏}‏ للسببية أو للملابسة، أي خلقاً للسبب الحق أو ملابساً للحق لا يتخلف الحق عن حال من أحواله‏.‏

والحق‏:‏ اسم جامع لما شأنه أن يَحقّ ويثبت، ومن شأن الحكمة والحكيم أن يقيمه، ولذلك أشير بقوله‏:‏ ‏{‏وخلق الله‏}‏ فإن اسم الجلالة جامع لصفات الكمال وتصرفات الحكمة‏.‏

وعطف ‏{‏ولتجزى كل نفس بما كسبت‏}‏ على ‏{‏بالحق‏}‏ لأن المعطوف عليه المجرور بالياء فيه معنى التعليل، وهذا تفصيل بعد إجمال فإن الجزاء على الفعل بما يناسبه هو من الحق، ولأن تعليل الخلق بعلة الجزاء من تفصيل معنى الحق وآثارِ كون الحق سبباً لخلق السماوات والأرض أو ملابساً لأحوال خلقهما، فظهرت المناسبة بين الباء في المعطوف عليه واللام في المعطوف‏.‏

والباء في ‏{‏بما كسبت‏}‏ للتعويض‏.‏ وما كسبته النفس لا تجزى به بل تجازَى بمثله وما يناسبه، فالكلام على حذف مضاف، أي بمثل ما كسبته‏.‏ وهذه المماثلة مماثلة في النوع، وأما تقدير تلك المماثلة فذلك موكول إلى الله تعالى ومراعًى فيه عظمة عالَم الجزاء في الخير والشر ومقدار تمرد المسيء وامتثال المحسن، بخلاف الحدود والزواجر فإنها مقدرة بما يناسب عالم الدنيا من الضعف‏.‏ ولهذا أعقبه بقوله‏:‏ ‏{‏وهم لا يظلمون‏}‏ فضمير ‏{‏وهم‏}‏ عائد إلى ‏{‏كل نفس‏}‏، فإن ذلك الجزاء مما اقتضاه العدل الذي جُعل سبباً أو ملابساً لخلق السماوات والأرض وما فيهما، فهو عدل، فليس من الظلم في شيء فالمُجازَى غير مظلوم، وبالجزاء أيضاً ينتفي أثر ظلم الظالم عن المظلوم إذ لو ترك الجزاء لاستمر المظلوم مظلوماً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

لما كان الذين حسبوا أن يكونوا في الآخرة في نعمة وعزة كما كانوا في الدنيا قالوا ذلك عَنْ غير دليل ولا نظر ولكن عن اتباع ما يشتهون لأنفسهم من دوام الحال الحسن تفرع على حسبانهم التعجيب من حالهم، فعطف بالفاء الاستفهامُ المستعملُ في التعجيب، وجعل استفهاماً عن رؤية حالهم، للإشارة إلى بلوغ حالهم من الظهور إلى حد أن تكون مرئية‏.‏

وأصل التركيب‏:‏ ‏{‏أفرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ الخ، فقدمت همزة الاستفهام، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود من معه من المسلمين، أو الخطاب لغير معيّن، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص بها مخاطب‏.‏

و ‏{‏مَنْ‏}‏ الموصولة صادقة على فريق المستهزئينَ الذين حسبوا أن يكون مَحْياهم ومماتهم سواء بقرينة ضمير الجمع في الجملة المعطوفة بقوله‏:‏ ‏{‏وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏ الخ‏.‏

والمعنى‏:‏ أن حجاجهم المسلمين مركَّز على اتباع الهوى والمغالطةِ، فلا نهوض لحجتهم لا في نفس الأمر ولا فيما أرادوه، على فرض وقوع البعث من أن يكونوا آمنين من أهوال البعث، وأنهم لا يرجى لهم اهتداء لأن الله خلقهم غير قابلين للهدَى فلا يستطيع غيره هداهم‏.‏

و ‏{‏إلهه‏}‏ يجوز أن يكون أطلق على ما يلازم طاعته حتى كأنه معبود فيكون هذا الإطلاق بطريقة التشبيه البليغ، أي اتخذ هواه كإله له لا يخالف له أمراً‏.‏ ويجوز أن يبقى ‏{‏إلهه‏}‏ على الحقيقة ويكون ‏{‏هواه‏}‏ بمعنى مَهْوِيَّهُ، أي عبد إلها لأنه يحب أن يعبده، يعني الذين اتخذوا الأصنام آلهة لا يقلعون عن عبادتها لأنهم أحبوها، أي ألِفوها وتعلقت قلوبهم بعبادتها، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 93‏]‏‏.‏

ومعنى ‏{‏أضلّه الله‏}‏ أنه حفّهم بأسباب الضلالة من عقول مكابرة ونفوس ضعيفة، اعتادت اتباع ما تشتهيه لا تستطيع حَمل المصابرة والرضى بما فيه كراهية لها‏.‏ فصارت أسماعهم كالمختوم عليها في عدم الانتفاع بالمواعظ والبراهين، وقلوبُهم كالمختوم عليها في عدم نفوذ النصائح ودلائل الأدلة إليها، وأبصارُهم كالمغطاة بغشاوات فلا تنتفع بمشاهدة المصنوعات الإلهية الدالة على انفراد الله بالإلهية وعلى أنَّ بعد هذا العالم بعثاً وجزاء‏.‏

ومعنى ‏{‏على علم‏}‏ أنهم أحاطت بهم أسباب الضلالة مع أنهم أهل علم، أي عقول سليمةٍ أوْ مع أنهم بلغهم العِلم بما يهديهم وذلك بالقرآن ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام‏.‏

فحرف ‏{‏على‏}‏ هنا معناه المصاحبة بمعنى ‏(‏مع‏)‏ وأصل هذا المعنى استعارة معنى الاستعلاء للاستعلاء المجازي وهو التمكن بين الوصف والموصوف‏.‏ وشاع ذلك حتى صار معنى من معاني ‏(‏على‏)‏ كما في قول الحارث بن حلزة‏:‏

فيَقيناً على الشَّنَاءة تَنْمينا *** حُصون وعِزّة قعساء

والمعنى‏:‏ أنه ضال مع مَا له من صفة العلم، فالعلم هنا من وصف من اتخذ إلهه هواه وهو متمكن من العلم لو خلع عن نفسه المكابرة والميل إلى الهوى‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏غشاوة‏}‏ بكسر الغين وفتح الشين بعدها ألف‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي وخلف ‏{‏غَشْوةٌ‏}‏ بفتح الغين وسكون الشين وهو من التسمية بالمصدر وهي لغة‏.‏ وتقدم معنى الختم والغشاوة في أول سورة البقرة‏.‏

وفرع على هذه الصلة استفهام إنكاري أن يكون غيرُ الله يستطيع أن يهديهم، والمراد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لشدة أسفه لإعراضهم وبقائهم في الضلالة‏.‏

و ‏{‏من بعد الله‏}‏ بمعنى‏:‏ دون الله، وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبأيّ حديثثٍ بعده يؤمنون‏}‏ آخر سورة الأعراف ‏(‏185‏)‏‏.‏

وفرع على ذلك استفهام عن عدم تذكر المخاطبين لهذه الحقيقة، أي كيف نَسُوها حتى ألحُّوا في الطمع بهداية أولئك الضالّين وأسفوا لعدم جدوى الحجة لديهم وهو استفهام إنكاري‏.‏

ومن المفسرين من حمل مَن‏}‏ الموصولة في قوله ‏{‏أفرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ على معيَّن فقال مقاتل‏:‏ هو أبو جهل بسبب حديث جرى بينَه وبين الوليد بن المغيرة كانا يطوفان ليلة فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل‏:‏ والله إني لأعْلَم إنه لصادق فقال له المغيرة‏:‏ مَهْ، وما دَلَّكَ على ذلك، قال‏:‏ كنّا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تمّ عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن قال‏:‏ فما يمنعك أن تؤمن به قال‏:‏ تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كِسرَة، واللاتتِ والعُزّى إنْ اتبعتُه أبداً فنزلت هذه الآية‏.‏ وإذا صح هذا فإن مطابقة القصة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأضله الله على علم‏}‏ ظاهرة‏.‏ وعن مقاتل أيضاً‏:‏ أنها نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين كان يَعْبُد من الأصنام ما تهواه نفسه‏.‏

وهذه الآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى الباعث للمؤمنين على أعمالهم ويتركوا اتباع أدلة الحق، فإذا كان الحق محبوباً لأحد فذلك من التخلق بمحبة الحق تبعاً للدليل مثل ما يهوى المؤمن الصلاة والجماعة وقيامَ رمضان وتلاوة القرآن وفي الحديث «أرِحْنا بها يا بلال» يعني الإقامة للصلاة‏.‏ وعن عبد الله بن عمْرو بن العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به» وعن أبي الدرداء «إذا أصبح الرجل اجتمع هَواه وعَمله وعلمه فإن كان عمَلُه تبعاً لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعاً لِعلمه فيومه يوم صالح»‏.‏ وأما اتباع الأمر المحبوب لإرضاء النفس دون نظر في صلاحه أو فساده فذلك سبب الضلال وسوء السيرة‏.‏

قال عمرو بن العاصي‏:‏

إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه *** ولم ينْه قلباً غاوياً حيثُ يَمَّمَا

فيوشك أن تَلقَى له الدهرَ سبَّة *** إذا ذُكرت أمثالها تَمْلأ الفما

ومن الكلمات المأثورة «ثلاث من المهلكات‏:‏ شُحّ مطاع، وهوًى متبع، وإعجاب المرأ بنفسه» ويروى حديثاً ضعيف السند‏.‏

وقدم السمع على القلب هنا بخلاف آية سُورة البقرة ‏{‏ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 7‏]‏ لأن المخبَر عنهم هنا لما أخبر عنهم بأنهم اتخذوا إلههم هواهم، فقد تقرر أنهم عقدوا قلوبهم على الهوى فكان ذلك العَقد صَارفاً السمع عن تلقي الآيات فَقُدِّمَ لإفَادةِ أنهم كالمختوم على سمعهم، ثم عطف عليه ‏{‏وقلبِه‏}‏ تكميلاً وتذكيراً بذلك العقد الصارف للسمع ثم ذكر ما ‏{‏على بصره‏}‏ من شبهِ الغشاوة لأن ما عقد عليه قلبه بصره عن النظر في أدلة الكائنات‏.‏

وأما آية سورة البقرة فإن المتحدث عنهم هم هؤلاء أنفسهم ولكن الحديث عنهم ابتدئ بتساوي الإنذار وعدمه في جانبهم بقوله‏:‏ ‏{‏سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏ فلما أريد تفصيله قدم الختم على قلوبهم لأنه الأصل كما كان اتخاذ الهوى كالإله أصلاً في وصف حالهم في آية سورة الجاثية‏.‏ فحالة القلوب هي الأصل في الانصراف عن التلقي والنظر في الآيتين ولكن نظم هذه الآية كان على حسب ما يقتضيه الذكر من الترتيب ونظم آية البقرة كان على حسب ما يقتضيه الطبْع‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ بتشديد الذال‏.‏ وقرأه عاصم بتخفيف الذال وأصله عند الجميع ‏{‏تتذكرون‏}‏‏.‏ فأما الجمهور فقراءتهم بقلب التاء الثانية ذالاً لتقارب مخرجيهما قصداً للتخفيف، وأما عاصم فقراءته على حذف إحدى التاءين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

هذا عطف على جملة ‏{‏أم حسب الذين اجترحوا السيئات‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 21‏]‏ أي بعد أن جادلوا المسلمين بأنه إن كان يبعث بعد الموت فستكون عقباهم خيراً من عقبى المسلمين، يقولون ذلك لقصد التورك وهم لا يوقنون بالبعث والجزاء بل ضربوه جدلاً وإنما يقينُهم قولُهم ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏‏.‏

وتقدم في سورة الأنعام ‏(‏29‏)‏ ‏{‏وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين‏}‏ وضمير ‏{‏هي‏}‏ ضمير القصة والشأن، أي قصة الخوض في البعث تنحصر في أن لا حياة بعد الممات، أي القصة هي انتفاء البعث كما أفاده حصر الأمر في الحياة الدنيا، أي الحاضرة القريبَة منا، أي فلا تطيلوا الجدال معنا في إثبات البعث، ويجوز أن يكون ‏{‏هي‏}‏ ضمير الحياة باعتبار دلالة الاستثناء على تقدير لفظ الحياة فيكون حَصْراً لجنس الحياة في الحياة الدنيا‏.‏

وجملة ‏{‏نموت ونحيا‏}‏ مبيّنة لجملة ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ أي ليس بعد هذا العالم عالم آخر فالحياة هي حياة هذا العالم لا غير فإذا مات من كان حيّاً خلفه من يوجد بعده‏.‏ فمعنى ‏{‏نموت ونحيا‏}‏ يموت بعضنا ويحيا بعض أي يبقى حيّاً إلى أمد أو يولد بعد من ماتوا‏.‏ وللدلالة على هذا التطور عبّر بالفعل المضارع، أي تتجدد فينا الحياة والموت‏.‏ فالمعنى‏:‏ نموت ونحيا في هذه الحياة الدنيا وليس ثمة حياة أخرى‏.‏ ثم إن كانت هذه الجملة محكية بلفظ كلامهم فَلَعَلها ممّا جرى مجرى المثل بينهم، وإنْ كانت حكايَة لمعنى كلامهم فهي من إيجاز القرآن وهم إنما قالوا‏:‏ يموت بعضنا ويحيَا بعضنا ثم يموت فصار كالمثل‏.‏

ولا يخطر بالبال أن حكاية قولهم‏:‏ ‏{‏نموت ونحيا‏}‏ تقتضي إرادة نحيا بعد أن نموت لأن قولهم ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ يصرف عن خطور هذا بالبال‏.‏ والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيباً بين المتعاطفين في الحصول‏.‏

وإنما قدم ‏{‏نموت‏}‏ في الذكر على ‏{‏ونحيا‏}‏ في البيان مع أن المبيّن قولهم ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ فكان الظاهر أن يبدأ في البيان بذكر اللفظ المبيَّن فيقال‏:‏ نَحيَا ونموت، فقيل قُدّم ‏{‏نموت‏}‏ لتتأتى الفاصلة بلفظ ‏{‏نحيا‏}‏ مع لفظ ‏{‏الدنيا‏}‏‏.‏ وعندي أن تقديم فعل ‏{‏نموت‏}‏ على ‏{‏نَحيا‏}‏ للاهتمام بالموت في هذا المقام لأنهم بصدد تقرير أن الموت لا حياة بعده ويتبع ذلك الاهتمام تأتي طباقين بين حياتنا الدنيا ونموت ثم بين نموت ونحيا‏.‏ وحصلت الفاصلة تبعاً، وذلك أدخل في بلاغة الإعجاز ولذلك أعقبه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما لهم بذلك من علم‏}‏ فالإشارة ب ‏{‏ذلك‏}‏ إلى قولهم ‏{‏وما يُهلكنا إلا الدهر‏}‏، أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل‏.‏

وأما زيادة ‏{‏وما يهلكنا إلا الدهر‏}‏ فقصدوا تأكيد معنى انحصار الحياة والموت في هذا العالم المعبر عنه عندهم بالدهر‏.‏

فالحياة بتكوين الخلقة والممات بفعل الدهر‏.‏ فكيف يرجى لمن أهلكه الدهر أن يعود حيّاً فالدهر هو الزمان المستمر المتعاقب ليله ونهاره‏.‏

والمعنى‏:‏ أحياؤنا يصيرون إلى الموت بتأثير الزمان، أي حَدثانه من طول مدة يعقبها الموت بالشيخوخة، أو من أسباب تفضي إلى الهلاك، وأقوالهم في هذا كثيرة ومن الشعر القديم قول عَمْرو بن قميئة‏:‏

رَمَتْنِي بناتُ الدهر من حيث لا أرى *** فمَا بال من يُرمى وليس بِرَامِ

ولعلهم يريدون أنه لو تأثر الزمان لبقي الناس أحياء كما قال أسقف نجران‏:‏

منع البقاء تقلب الشمس *** وطلوعها من حيث لا تُمسي

فلما كان الموت بفعل الدهر فكيف يرجى أن يعودوا أحياء‏.‏ وهذه كلمات كانت تجري على ألسنتهم لقلة التدبر في الأمور وإن كانوا يعلمون أن الله هو الخالق للعوالم، وأما ما يجري في العالم من التصرفات فلم يكن لهم فيه رأي وكيف وحالتهم الأمية لا تساعد على ذلك، وكانوا يخطئون في التفاصيل حتى يأتوا بما يناقض ما يعتقدونه، ولذلك أعقبه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما لهم بذلك من علم‏}‏ فإشارة ب ‏{‏ذلك‏}‏ إلى قولهم ‏{‏وما يهلكنا إلا الدهر‏}‏ أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل على ذلك فإن الدليل النظري بَيَّن أن الدهر وهو الزمان ليس بمُميت مباشرةً وهو ظاهر ولا بواسطةٍ في الإماتة إذ الزمان أمر اعتباري لا يفعل ولا يؤثر وإنما هو مقادير يقدِّر بها الناس الأبعاد بين الحوادث مرجعه إلى تقدير حصة النهار والليل وحصص الفصول الأربعة، وإنما توهم عامة الناس أن الزمان متصرف، وهي توهمات شاعت حتى استقرت في الأذهان الساذجة‏.‏

والمراد بالظن في قوله‏:‏ ‏{‏إن هم إلا يظنون‏}‏ ما ليس بعلم فهو هنا التخيل والتوهم وجملة ‏{‏إن هم إلا يظنون‏}‏ مبيّنة بجملة ‏{‏وما لهم بذلك من علم‏}‏ أو استئناف بياني كأنّ سائلاً حين سَمع قوله‏:‏ ‏{‏وما لهم بذلك من علم‏}‏ سأل عن مستندهم في قولهم ذلك فأجيب بأنه الظن المبني على التخيل‏.‏

وجيء بالمضارع في ‏{‏يظنون‏}‏ لأنهم يحددون هذا الظن ويتلقاه صغيرهم عن كبيرهم في أجيالهم وما هم بمقلعين عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 26‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏، أي عقدوا على عقيدة أن لا حياة بعد الممات استناداً للأوهام والأقيسة الخيالية‏.‏ وإذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الدلالة على إمكان البعث وعلى لزومه لم يعارضوها بما يبطلها بل يهرعون إلى المباهتة فيقولون إن كان البعث حقاً فأتوا بآبائنا إن صدقتم‏.‏ فالمراد بالآيات آيات القرآن المتعلقة بالبعث بدليل ما قبل الكلام وما بعده‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏{‏ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا‏}‏ تسجيل عليهم بالتلجلج عن الحجة البينة، والمصيرِ إلى سلاح العاجز من المكابرة والخروج عن دائرة البحث‏.‏

والخطاب بفعل ‏{‏ائتوا‏}‏ مُوجّهٌ للمؤمنين بدخول الرسول صلى الله عليه وسلم و‏{‏إلا أن قالوا‏}‏ استثناء من حجتهم وهو يقتضي تسمية كلامهم هذا حجة وهو ليس بحجة إذ هو بالبهتان أشبه فإمّا أن يكون إطلاق اسم الحجة عليه على سبيل التهكم بهم كقول عمرو بن كلثوم‏:‏

قريناكم فعجلنا قِراكم *** قبيل الصبح مِرْداة طحونَا

فسمى القتل قرى، وعلى هذا يكون الاستثناء في قوله‏:‏ ‏{‏إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا‏}‏ استثناء متصلاً تهكماً، وإمّا أن يكون إطلاق اسم الحجة على كلامهم جرى على اعتقادهم وتقديرهم دونَ قَصد تهكّم بهم، أي أتوا بما توهموه حجّة فيكون الإطلاق استعارة صورية والاستثناء على هذا متصل أيضاً‏.‏ وإما أن يكون الإطلاق استعارة بعلاقة الضدية فيكون مجازاً مرسلاً بتنزيل التضاد منزلة التناسب على قصد التهكم فيكون المعنى أن لا حجة لهم البتة إذ لا حجة لهم إلا هذه، وهذه ليست بحجة بل هي عناد فيحصل أن لا حجة لهم بطريق التمليح والكناية كَقَول جِرَاننِ العَوْدِ‏:‏

وبلدةٍ ليس بها أنيس *** إلا اليَعافيرُ وإلا العِيس

أي لا أنس بها البتة‏.‏

ويقدر قوله‏:‏ ‏{‏أن قالوا ائتوا بآبائنا‏}‏ في محل رفع بالاستثناء المفرغ على الاعتبارات الثلاثة فهو اسم ‏{‏كان‏}‏ و‏{‏حجتهم‏}‏ خبرها لأن حجتهم منصوب في قراءة جميع القراءات المشهورة‏.‏

وتقديم خبر ‏{‏كان‏}‏ على اسمها لأن اسمها محصور ب ‏{‏إلاّ‏}‏ فحقه التأخير عن الخبر‏.‏

‏(‏26‏)‏ ‏{‏صادقين * قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ ولكن أَكْثَرَ الناس‏}‏‏.‏

تلقين لإبطال قولهم ‏{‏وما يهلكنا إلا الدهر‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏ يتضمن إبطال قولهم ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونَحْيا‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏‏.‏

والمقصود منه قوله‏:‏ ‏{‏ثم يميتكم‏}‏ وإنما قدم عليه ‏{‏يحييكم‏}‏ توطئة له، أي كما هو أوجدكم هو يميتكم لا الدهر، فتقديم اسم الله على المسند الفعلي وهو ‏{‏يحييكم ثم يميتكم‏}‏ يفيد تخصيص الإحياء والإماتة به لإبطال قولهم، إن الدهر هو الذي يميتهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثم يجمعكم إلى يوم القيامة‏}‏ إبطال لقولهم‏:‏ ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏ وليس هو إبطالاً بطريق الاستدلال لأن أدلة هذا تكررت فيما نزل من القرآن فاستغني عن تفصيلها ولكنه إبطال بطريق الإجمال والمعارضة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ حال من ‏{‏يوم القيامة‏}‏، أي لا ريب في وجوده بما يقتضيه من إحياء الأموات، ومعنى نفي الريب فيه أنه حقيقة الريب وهي التي تتقوم من دلائل تُفضي إلى الشك منتفية عن قضية وقوع يوم القيامة بكثرة الدلائل الدالة على إمكانه وعلى أنه بالنسبة لقدرة الله ليس أعجب من بدء الخلق، وأن الله أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه‏.‏ فكان الشك فيه جديراً بالاقتلاع فكأنه معدوم‏.‏ وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان «ليسوا بشيء» مع أنهم موجودون فأراد أنهم ليسوا بشيء حقيق، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك الكتاب لا ريب فيه‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏2‏)‏‏.‏

وعُطف ‏{‏ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ على قوله‏:‏ ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ أي ولكن ارتياب كثير من الناس فيه لأنهم لا يعلمون دلائل وقوعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏27‏)‏ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏28‏)‏ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

اعتراض تذييل لقوله‏:‏ ‏{‏قل الله يحييكم ثم يميتكم‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 26‏]‏ أي لله لا لغيره مُلك السماوات والأرض، أي فهو المتصرف في أحوال ما حوته السماوات والأرض من إحياء وإماتة، وغير ذلك بما أوجد من أصولها وما قدّر من أسبابها ووسائلها فليس للدهر تصرف ولا لما سوى الله تعالى‏.‏ وتقديم المجرور على المسند إليه لإفادة التخصيص لرد معتقدهم من خروج تصرف غيره في بعض ما في السماوات والأرض كقولهم في الدهر‏.‏

لما جرى ذِكْر يوم القيامة أعقب بإنذار الذين أنكروه من سوء عاقبتهم فيه‏.‏

و ‏{‏المبطلون والارض وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون * وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم‏}‏‏:‏ الآتون بالباطل في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم إذ الباطل ما ضادَّ الحق‏.‏ والمقصود منه ابتداء هنا هو الشرك بالله فإنه أعظم الباطل ثم تجيء درجات الباطل متنازلة وما من درجة منها إلا وهي خسارة على فاعلها بقدر فعلته وقد أنذر الله الناس وهو العليم بمقادير تلك الخسارة‏.‏

‏{‏ويوم تقوم الساعة‏}‏ ظرف متعلق ب ‏{‏يخسر‏}‏، وقدم عليه للاهتمام به واسترعاء الأسماع لما يرد من وصف أحواله‏.‏

و ‏{‏يومئذٍ‏}‏ توكيد ل ‏{‏يوم تقوم الساعة‏}‏ وتنوينه عوض عن المضاف إليه المحذوف لدلالة ما أضيف إليه يومَ عليه، أي يوم إذْ تقوم الساعة يخسر المبطلون فالتأكيد بتحقيق مضمون الخبر ولتهويل ذلك اليوم‏.‏

والخطاب في ‏{‏ترى‏}‏ لكل من يصلح له الخطاب بالقرآن فلا يقصد مخاطب معين، ويجوز أن يكون خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم والمضارع في ‏{‏ترى‏}‏ مراد به الاستقبال فالمعنى‏:‏ وترى يومئذٍ‏.‏

والأمة‏:‏ الجماعة العظيمة من الناس الذين يَجمعهم دين جاء به رسول إليهم‏.‏

و ‏{‏جاثية‏}‏ اسم فاعل من مصدر الجُثُوِّ بضمتين وهو البروك على الرُكبتين باستئفاز، أي بغير مباشرة المقعدة للأرض، فالجاثي هو البارك المستوفز وهو هيئة الخضوع‏.‏

وظاهر كون ‏{‏كتابها‏}‏ مفرداً غير معرف باللام أنه كتاب واحد لكل أمة فيقتضي أن يراد كتاب الشريعة مثل القرآن، والتوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم وغير ذلك لا صحائف الأعمال، فمعنى ‏{‏تدعى إلى كتابها‏}‏ تدعى لتعرض أعمالها على ما أُمرت به في كتابها كما في الحديث «القرآن حجةٌ لك أو عليك» وقيل‏:‏ أريد بقوله‏:‏ ‏{‏كتابها‏}‏ كتاب تسجيل الأعمال لكل واحد، أو مراد به الجنس وتكون إضافته إلى ضمير الأمة على إرادة التوزيع على الأفراد لأن لكل واحد من كل أمة صحيفة عمله خاصة به كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 14‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَوضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه‏}‏

‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏ أي كل مجرم مشفق مما في كتابه، إلا أن هذه الآية الأخيرة وقع فيها الكتاب معرفاً باللام فقبل العمومَ‏.‏ وأما آية الجاثية فعمومها بدليّ بالقرينة‏.‏ فالمراد‏:‏ خصوص الأمم التي أرسلت إليها الرسل ولها كتب وشرائع لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏‏.‏

ومسألة مؤاخذة الأمم التي لم تجئها الرسل بخصوص جحد الإله أو الإشراككِ به مقررة في أصول الدين، وتقدمت عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً‏}‏ في سورة الإسراء ‏(‏15‏)‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏كل أمة تدعى إلى كتابها‏}‏ برفع ‏{‏كل‏}‏ على أنه مبتدأ و‏{‏تدعى‏}‏ خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جُثو الأمة يثير سؤال سائل عما بعد ذلك الجثوّ‏.‏ وقرأه يعقوب بنصب ‏{‏كلَّ‏}‏ على البدل من قوله‏:‏ ‏{‏وترى كل أمة‏}‏‏.‏ وجملة ‏{‏تدعى‏}‏ حال من ‏{‏كل أمة‏}‏ فأعيدت كلمة ‏{‏كل أمة‏}‏ دون اكتفاء بقوله ‏{‏تدعَى‏}‏ أو يدعون للتهويل والدعاء إلى الكتاب بالأمم تجثو ثم تدعى كل أمة إلى كتابها فتذهب إليه للحساب، أي يذهب أفرادها للحساب ولو قيل‏:‏ وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأوهم أن الجثو والدعاء إلى الكتاب يحصلان معاً مع ما في إعادة الخبر مرة ثانية من التهويل‏.‏

وجملة ‏{‏اليوم تجزون ما كنتم تعملون‏}‏ بدل اشتمال من جملة ‏{‏تدعى إلى كتابها‏}‏ بتقدير قول محذوف، أي يقال لهم اليوم تجزون، أي يكون جزاؤكم على وفق أعْمالِكم وجريها على وفق ما يوافق كتاب دينكم من أفعالكم في الحسنات والسيئات، وهذا البدل وقع اعتراضاً بين جملة ‏{‏وترى كل أمة جاثية‏}‏ وجملة ‏{‏فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 30‏]‏ الآيات‏.‏

وجملة ‏{‏هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق‏}‏ من مقول القول المقدّر، وهي مستأنفة استئنافاً بيانياً لتوقع سؤال من يقول منهم‏:‏ ما هو طريق ثبوت أعمالها‏.‏ والإشارة إما إلى كتاب شريعة الأمة المدعوة، وإما إلى كُتب أفرادها على تأويل الكتاب بالجنس على الوجهتين المتقدمين‏.‏

وإفراد ضمير ‏{‏ينطق‏}‏ على هذا الوجه مراعاة للفظ ‏{‏كتابنا‏}‏، فالمعنى هذه كتبنا تنطق عليكم بالحق‏.‏

وإضافة ‏(‏كتاب‏)‏ إلى ضمير الله تعالى بعد أن أضيف إلى ‏{‏كل أمة‏}‏ لاختلاف الملابسة، فالكتاب يلابس الأمة لأنّه جعل لإحصاء أعمالهم أو لأن ما كلفوا به مثبت فيه، وإضافته إلى ضمير الله لأنه الآمر به‏.‏ وإسناد النطق إلى الكتاب مجاز عقلي وإنما تنطق بما في الكتاب ملائكة الحساب، أو استعير النطق للدلالة نحو قولهم‏:‏ نطقت الحال‏.‏

والمعنى‏:‏ أن فيه شهادة عليهم بأن أعمالهم مخالفة لوصايا الكتاب أو بأنها مكتوبة في صحائف أعمالهم على التأويلين في المراد بالكتاب‏.‏ ولتضمن ‏{‏ينطق‏}‏ معنى ‏(‏يشهد‏)‏ عدي بحرف ‏(‏على‏)‏‏.‏

ولما كان المقام للتهديد اقتصر فيه على تعدية ‏{‏يَنطق‏}‏ بحرف ‏(‏على‏)‏ دون زيادة‏:‏ ولكم، إيثاراً لجانب التهديد‏.‏

وجملة ‏{‏إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون‏}‏ استئناف بياني لأنهم إذا سمعوا ‏{‏هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق‏}‏ خطر ببالهم السؤال‏:‏ كيف شهد عليهم الكتاب اليوم وهم قد عملوا الأعمال في الدنيا، فأجيبوا بأن الله كَانَ يأمر بنسخ ما يعملونه في الصحف في وقت عمله‏.‏

وإن حمل الكتاب على كتب الشريعة كانت جملة ‏{‏إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون‏}‏ تعليلاً للجملة قبلها باعتبار تقييد النطق بأنه بالحق، أي لأن أعمالكم كانت محصاة مبيّن ما هو منها مخالف لما أمر به كتابهم‏.‏

والاستنساخ‏:‏ استفعال من النسخ‏.‏

والنسخ‏:‏ يطلق على كتابة ما يكتب على مثاللِ مكتوببٍ آخرَ قبله‏.‏ ويسمى بالمعارضة أيضاً‏.‏ وظاهر الأساس أن هذا حقيقة معنى النسخ وأن قولهم‏:‏ نسخت الشمسُ الظلَّ مجاز‏.‏ وكلام جمهور العلماء بخلافه كما يقوله علماء أصول الفقه في باب النسخ‏.‏ وكلام الراغب يحتمل الإطلاقين، فإذا درجتَ على كلام الجمهور فقد جُعلت كتابةُ مكتوببٍ على مثال مكتوببٍ قبله كإزالةٍ للمكتوب الأول لأن ذلك في الغالب يكون لقصد التعويض عن المكتوب الأول لمن ليس عنده أو لخشيَةِ ضياع الأصل‏.‏ وعن ابن عباس أنه يقول‏:‏ ألستُم عَرَباً وهل يكون النسخ إلا من كتاب‏.‏

وأما إطلاق النسخ على كتابة أُنففٍ ليست على مثال كتابةٍ أخرى سبقتها فكلام الزمخشري في الأساس صريح في أنه من معاني النسخ حقيقة، وهو ظاهر كلامه في «الكشاف»، فيكون لفظ النسخ مشتركاً في المعنيين بل ربما كان معنى مطلق الكتابة هو الأصلَ وكانت تسمية كتابةٍ على مثل كتابةٍ سابقة نسخاً لأن ذلك كتابة وكلام صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» أن نَقل الكتابة لا يسمى نسخاً إلا إذا كان على مثال كتابة سابقة‏.‏ وهذا اختلاف مُعضل، والأظهر ما ذهب إليه صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» فيجوز أن يكون السين والتاء في ‏{‏نستنسخ‏}‏ للمبالغة في الفعل مثل استجاب‏.‏ ويجوز أن يكون السين والتاء للطلب والتكليف، أيْ نكلف الملائكة نسخ أعمالكم، وعلى هذا المحمل حمل المفسرون السين والتاء هنا أي للطلب، ثم يجوز أن يكون النسخ على معنى نقل كتابة عن كتابة سابقة وبه فسر ابن عباس قال‏:‏ إن الله وكل ملائكة ينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما سيكون من أعمال بني آدم، ويجوز أن يكون النسخ بمعنى كتابة ما تعلمه النّاس دون نقل عن أصل‏.‏

والمعنى‏:‏ إنا كنا نكتب أعمالكم‏.‏ وعن علي بن أبي طالب أنه قال‏:‏ إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم ومثله عن الحسن والسدّي‏.‏

والنسخ هنا‏:‏ الكتابة، وإسناد فعل الاستنتاج إلى ضمير الله على هذا إسناد مجازي لأن الله أمر الحفظة بكتابة الأعمال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 32‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ‏(‏30‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏31‏)‏ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

الفاء لعطف المفصل على المجمل، وهو تفصيل لما أجمل في قوله‏:‏ ‏{‏وترى كل أمة جاثية‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 28‏]‏ وما بينهما اعتراض‏.‏

فالكلام هنا هو متصل بقوله‏:‏ ‏{‏وترى كل أمة جاثية كما دل عليه قوله‏:‏ وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم‏}‏‏.‏

وابتدئ في التفصيل بوصف حال المؤمنين مع أن المقام للحديث عن المبطلين في قوله‏:‏ ‏{‏يومئذٍ يخسر المبطلون‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 27‏]‏ تنويهاً بالمؤمنين وتعجيلاً لمسرتهم وتعجيلاً لمساءة المبطلين لأن وصف حال المؤمنين يُؤذن بمخالفة حال الآخَرين لحالهم‏.‏

والتعبير ب ‏(‏يدخلهم في رحمته‏)‏ شامل لما تتصوره النفس من أنواع الكرامة والنعيم إذ جعلت رحمة الله بمنزلة المكان يدخلونه‏.‏

وافتتح بيان حال الذين كفروا بما يقال لهم من التوبيخ والتقرير من قِبَل الله تعالى، فقوله‏:‏ ‏{‏أفلم تكن آياتي‏}‏ مقول قول محذوف لظهور أن ذلك خطاب صادر من متكلم من جانب الله تعالى فيقدر فيقال لهم على طريقة قوله بعد ‏{‏وقيل اليوم ننساكم‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 34‏]‏‏.‏ والفاء جواب ‏{‏أمّا‏}‏، أو فيقال لهم ‏{‏أفلم تكن آياتي تتلى عليكم‏}‏ فلما حذف فعل القول قُدم حرف الاستفهام على فاء الجواب اعتداداً باستحقاقه التصديرَ كما يُقدم الاستفهام على حروف العطف‏.‏ ولم يتعدّ بالمحذوف لأن التقديم لدفع الكراهة اللفظية من تأخر الاستفهام عن الحرف وهي موجُودة بعد حذف ما حُذف‏.‏

والاستفهام توبيخ وتقرير‏.‏ والمراد بالآيات القرآن، أي فاستكبرتم على الأخذ بها ولم تقتصروا على الاستكبار بل كنتم قوماً مجرمين، أي لم تفدكم مواعظ القرآن صلاحاً لأنفسهم بما سمعتم منه‏.‏ وإقحام ‏{‏قوماً‏}‏ دون الاقتصار على‏:‏ وكنتم مجرمين، للدلالة على أن الإجرام صار خُلقاً لهم وخالط نفوسهم حتى صار من مقومات قوميتهم وقد قدمناه غير مرة‏.‏

وجملة ‏{‏وإذا قيل إن وعد الله حق‏}‏ إلخ عطف على جملة ‏{‏فاستكبرتم‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ وقلتم ما ندري ما الساعة إذا قيل لكم إن الساعة لا ريبَ فيها‏.‏ وَهذاننِ القولان مما تكرر في القرآن بلفظه وبمعناه، فهو تخصيص لبعض آيات القرآن بالذكر بعد التعميم في قوله‏:‏ ‏{‏أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم‏}‏‏.‏

والتعريف في ‏{‏الساعة‏}‏ للعهد وهي ساعة البعث، أي زمان البعث كما عبر عنه باليوم‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏والساعة لا ريب فيها‏}‏ برفع ‏{‏الساعة‏}‏ عطف على جملة ‏{‏إن وعد الله حق‏}‏‏.‏ وقرأه حمزة وحده بنصب ‏{‏والساعة‏}‏ عطفاً على ‏{‏إن وعد الله‏}‏ من العطف على معمولي عامل واحد‏.‏ ومعنى ‏{‏ما ندري ما الساعة‏}‏ ما نعلم حقيقة الساعة ونفي العلم بحقيقتها كناية عن جحد وقوع الساعة، أي علمنا أنها لا وقوع لها، استناداً للتخيلات التي ظنوها أدلةً كقولهم‏:‏ ‏{‏أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون خلقاً جديداً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 49‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن نظن إلا ظناً‏}‏ ظاهر في أنه متصل بما قبله من قولهم‏:‏ ‏{‏ما ندري ما الساعة‏}‏، ومبين بما بعده من قوله‏:‏ ‏{‏وما نحن بمستيقنين‏}‏ وموقعه ومعناه مشكل، وفي نظمه إشكال أيضاً‏.‏

فأما الإشكال من جهة موقعه ومعناه فلأن القائلين موقنون بانتفاء وقوع الساعة لما حُكي عنهم آنفاً من قولهم‏:‏ ‏{‏ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏ الخ فلا يحق عليهم أنهم يظنون وقوع الساعة بوجه من الوجوه ولو احتِمالاً‏.‏

ولا يستقيم أن يطلق الظن هنا على الإيقان بعدم حصوله فيعضِل معنى قولهم ‏{‏إن نظن إلا ظناً‏}‏، فتأوله الفخر فقال‏:‏ إن القوم كانوا فريقين، وأن الذين قالوا ‏{‏إن نظن إلا ظناً‏}‏ فريق كانوا قاطعين بنفي البعث والقيامةِ وهم الذين ذكرهم الله في الآية المتقدمة بقوله‏:‏ ‏{‏وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ومنهم من كان شاكاً متحيراً فيه وهم الذين أراد الله بهذه الآية اه‏.‏

وأقول‏:‏ هذا لا يستقيم لأنه لو سلم أن فريقاً من المشركين كانوا يشكون في وقوع الساعة ولا يجزمون بانتفائه فإن جمهرة المشركين نافون لوقوعها فلا يناسب مقامَ التوبيخ تخصيصُه بالذين كانوا مترددين في ذلك‏.‏ والوجه عندي في تأويله‏:‏ إما يكون هذا حكاية لاستهزائهم بخبر البعث فإذا قيل لهم‏:‏ ‏{‏الساعة لا ريب فيها‏}‏ قالوا استهزاء ‏{‏ما نظنّ إلاّ ظنّاً‏}‏، ويدل عليه قوله عقبه ‏{‏وحاقَ بهم ما كانوا به يستهزئون‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 33‏]‏‏.‏

وتأوله ابن عطية بأن معناه إن نظن بعدَ قبول خبركم إلا ظنًّا وليس يعطينا يقيناً اه، أي فهو إبطالهم لخصوص قول المسلمين‏:‏ الساعة لا ريب فيها‏.‏

وأما إشكاله من جهة النظم فمرجع الإشكال إلى استثناء الظن من نفسه في قوله‏:‏ ‏{‏إن نظن إلا ظناً‏}‏ فإن الاستثناء المفرغ لا يصح أنْ يكون مفرغاً للمفعول المطلق لانتفاء فائدة التفريع‏.‏ والخلاصُ من هذا ما ذهب إليه ابن هشام في «مغني اللّبيب» أن مصحح الاستثناء الظن من نفسه أن المسْتثنَى هو الظن الموصوفُ بما دل عليه تنكيره من التحقير المشعرِ به التنوينُ على حد قول الأعشى‏:‏

أحل به الشيب أثْقاله *** وما اغتره الشيبُ إلا اغترارا

أي، إلا ظناً ضعيفاً‏.‏

ومفعولا ‏{‏نظن‏}‏ محذوفان لدليل الكلام عليهما‏.‏ والتقدير‏:‏ إن نظن الساعةَ واقعة‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏وما نحن بمستيقنين‏}‏ يفيد تأكيد قولهم ‏{‏ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً‏}‏، وعطفه عطف مرادف، أي للتشريك في اللفظ‏.‏ والسين والتاء في ‏{‏بمستيقنين‏}‏ للمبالغة في حصول الفعل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏أفلم تكن آياتي تتلى عليكم‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 31‏]‏ باعتبار تقدير‏:‏ فيقال لهم، أي فيقال لهم ذلك ‏{‏وبدا لهم سيئات ما عملوا‏}‏، أي جُمع لهم بين التوبيخ والإزعاج فوبخوا بقوله‏:‏ ‏{‏أفلم تكن آياتي تتلى عليكم‏}‏ إلى آخره، وأُزعجوا بظهور سيئات أعمالهم، أي ظهور جزاء سيئاتهم حين رأوا دار العذاب وآلاته رؤيةَ من يوقن بأنها مُعَدة له وذلك بعِلم يحصل لهم عند رؤية الأهوال‏.‏ وعبر بالسيئات عن جزائها إشارة إلى تمام المعادلة بين العمل وجزائه حتى جعل الجزاء نفسَ العمل على حد قوله‏:‏ ‏{‏فذُوقوا ما كنتم تكنزونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 35‏]‏‏.‏

ومعنى ‏{‏حاق‏}‏ أحاط‏.‏

و ‏{‏ما كانوا به يستهزئون‏}‏ يعُم كلّ ما كان طريق استهزاء بالإسلام من أقوالهم الصادرة عن استهزاء مثل قولهم‏:‏ ‏{‏إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 32‏]‏‏.‏ وقول العاصِي بن وائل لخباب بن الأرتّ‏:‏ لأوتين مالاً وولدا في الآخرة فأقضي منه دينَك‏.‏ ومن الأشياء التي جعلوها هُزؤاً مثل عذاب جهنم وشجرة الزقوم وهو ما عبر عنه آنفاً ب ‏{‏سيئات ما عملوا‏}‏‏.‏ وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصولية لأن في الصلة تغليطاً لهم وتنديماً على ما فرطوا من أخذ العدة ليوم الجزاء على طريقة قول عبدة بن الطيب‏:‏

إن الذين تُرونَهم إخوانَكم *** يشفي غليلَ صدورهم أن تُصرعوا

والمعنى‏:‏ أنهم قد أودعوا جهنم فأحاط بهم سرداقها‏.‏

والباء في ‏{‏به يستهزئون‏}‏ يجوز حملها على السببية وعلى تعدية فعل ‏{‏يستهزئون‏}‏ إلى ما لا يتعدى إليه أي العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 35‏]‏

‏{‏وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏34‏)‏ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

لما أودعوا جهنم وأحاطت بهم نودوا ‏{‏اليوم ننساكم‏}‏ إلى آخره تأييساً لهم من العفو عنهم‏.‏

وبُني فعل ‏{‏قيل‏}‏ للنائب حطّاً لهم عن رتبة أن يصرح باسم الله في حكاية الكلام الذي واجههم به كما أشرنا إليه عند قوله آنفاً ‏{‏وإذا قيل إن وعد الله حقٌ‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏ 32‏]‏ بناء على أن ضمير ‏{‏ننساكم‏}‏ ضمير الجلالة وَليس من قول الملائكة، فإن كان من قول خزنة جهنم ببناءِ فِعل ‏{‏وقيل‏}‏ للنائب للعلم بالفاعل‏.‏

وأطلق النسيان على الترك المؤبد على سبيل المجاز المرسل لأن النسيان يستلزم ترك الشيء المنسي في محله أو تركه على حالته، ويجوز أن يكون النسيان مستعاراً للإهمال وعدم المبالاة، أي فلا تتعلق الإرادة بالتخفيف عنهم وعلى هذين الاعتبارين يفسر معنى النسيان الثاني‏.‏

والكاف في ‏{‏كما نسيتم لقاء يومكم‏}‏ للتعليل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واذكروه كما هداكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 198‏]‏، أي جزاء نسيانكم هذا اليوم، أي إعراضكم عن الإيمان به‏.‏

واللقاء‏:‏ وجدان شيء شيئاً في مكان، وهو المصادفة يُقال‏:‏ لقي زيد عمراً، ولقي العصفور حبة‏.‏ ولقاء اليوم، أطلق اليومُ على ما فيه من الأحداث على سبيل المجاز المرسل لأنه أوجزُ من تعداد الأهوال الحاصلة منذ البعث إلى قضاء الجزاء على الأعمال‏.‏

وإضافة يوم إلى ضمير المخاطبين في ‏{‏يومكم‏}‏ باعتبار أن ذلك اليوم ظرف لأحوال تتعلق بهم فإن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، ألا ترى أنه أضيف إلى ضمير المؤمنين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 103‏]‏‏.‏

ووصف اليوم باسم الإشارة تمييزه أكمل تمييز تكميلاً لتعريفه بالإضافة لئلا يلتبس عليهم بيوم آخر‏.‏

وعطف ‏{‏ومأواكم النار‏}‏ على ‏{‏اليوم ننساكم‏}‏ ليعلموا أن تركهم في النار ترك مؤبد فإن المأوى هو مسكن الشخص الذي يأوي إليه بعد أعماله، فالمعنى أنكم قد أَويْتم إلى النار فأنتم باقون فيها، وتقدم نظير قوله‏:‏ ‏{‏وما لكم من ناصرين‏}‏ قريباً، والمقصود تخطئة زعمهم السابق أن الأصنام تنفعهم في الشدائد‏.‏

و ‏{‏ذلكم‏}‏ إشارة إلى ‏{‏مأواكم‏}‏ والباء للسببية، أي ذلكم المأوى بسبب اتخاذكم آيات الله، وهي آيات القرآن هزؤاً، أي مستهزأ بها، ‏{‏هزؤاً‏}‏ مصدر مراد به اسم المفعول مثل خلق‏.‏

وتغرير الحياة الدنيا إياهم سبب أيضا لجعل النار مأواهم‏.‏ والتغرير‏:‏ الإطماع الباطل‏.‏ ومعنى تغرير الحياة الدنيا إياهم‏:‏ أنهم قاسوا أحوال الآخرة على أحوال الدنيا فظنوا أن الله لا يحيي الموتى وتطرقوا من ذلك إلى إنكار الجزاء في الآخرة على ما يعمل في الدنيا وغرّهم أيضاً ما كانوا عليه من العزة والمنعة فخالوه منتهى الكمال فلم يصيخوا إلى داعي الرشد وعظة النصح وأعرضوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن القرآن المرشد ولولا ذلك لأقبلوا على التأمل فيما دعوا إليه فاهتدوا فسلموا من عواقب الكفر ولكون هذه المغررات حاصلة في الحياة الدنيا أسند التغرير إلى الحياة على سبيل المجاز العقلي لأن ذلك أجمع لأسباب الغرور‏.‏

وفرع على ذلك ‏{‏فاليوم لا يخرجون منها‏}‏ بالفاء وهذا من تمام الكلام الذي قيل لهم لأن وقوع كلمة ‏(‏اليوم‏)‏ في أثنائه يعين أنه من القيل الذي يقال لهم يومئذٍ‏.‏ واتفق القراء على قراءة ‏{‏لا يخرجون‏}‏ بياء الغيبة‏.‏ وكان مقتضى الظاهر أن يقال‏:‏ لا تُخرجون، بأسلوب الخطاب مثل سابقه ولكن عدل عن طريقة الخطاب إلى الغيبة على وجه الالتفات‏.‏ ويحسّنه هنا أنه تخييل للإعراض عنهم بعد توبيخهم وتأييسهم وصرف بقية الإخبار عنهم إلى مخاطب آخر ينبّأ ببقية أمرهم تحقيراً لهم‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يُخرجون‏}‏ بضم الياء وفتح الراء، فالمعنى‏:‏ أنهم يسألون مَن يُخرجهم فلا يُخرجهم أحد كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربّنا أخرجنا منها‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 107‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فهل إلى خروج من سبيل‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وقرأه حمزة والكسائي ‏{‏يخرُجون‏}‏ بفتح الياء وضم الراء‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنهم يفزعون إلى الخروج فلا يستطيعون لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 22‏]‏‏.‏

والاستعتاب بمعنى‏:‏ الإعتاب، فالسين والتاء للمبالغة كما يقال‏:‏ أجاب واستجاب‏.‏ ومعنى الإعتاب‏:‏ إعطاء العُتبى وهي الرضا‏.‏ وهو هنا مبني للمجهول‏.‏ أي لا يستعتبهم أحد، أي ولا يُرضون بما يسألون، وتقدم نظيره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيومئذٍ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون‏}‏ في سورة الروم ‏(‏57‏)‏‏.‏

وتقدم ‏{‏هم‏}‏ على ‏{‏يستعتبون‏}‏ وهو مسند فعلي بعد حرف النفي هنا تعريض بأن الله يُعتِب غيرهم، أي يُرضي المؤمنين، أي يغفر لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 37‏]‏

‏{‏فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏36‏)‏ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏37‏)‏‏}‏

الفاء لتفريع التحميد والثناء على الله تفريعاً على ما احتوت عليه السورة من ألطاف الله فيما خلق وأرشد وسخر وأقام من نُظم العدالة، والإنعام على المسلمين في الدنيا والآخرة، ومن وعيد للمعرضين واحتجاج عليهم، فلما كان ذلك كله من الله كان دالاً على اتّصافه بصفات العظمة والجلال وعلى إفضاله على الناس بدين الإسلام كان حقيقاً بإنشاء قصر الحمد عليه فيجوز أن يكون هذا الكلام مراداً منه ظاهر الإخبار، ويجوز أن يكون مع ذلك مستعملاً في معناه الكنائي وهو أمر الناس بأن يقصروا الحمد عليه‏.‏ ويجوز أن يكون إنشاء حمدٍ لله تعالى وثناء عليه‏.‏ وكل ما سبقه من آيات هذه السورة مقتض للوجوه الثلاثة، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏45‏)‏‏.‏

وتقديم ‏(‏لله‏)‏ لإفادة الاختصاص، أي الحمد مختص به الله تعالى يعني الحمد الحق الكامل مختص به تعالى كما تقدم في سورة الفاتحة‏.‏

وإجراء وصف رب السموات‏}‏ على اسمه تعالى إيماء إلى علّة قصر الحمد على الله إخباراً وإنشاءً تأكيداً لما اقتضته الفاء في قوله‏:‏ ‏{‏فللَّه الحمد‏}‏‏.‏ وعُطف ‏{‏وربّ الأرض‏}‏ بتكرير لفظ ‏{‏رب‏}‏ للتنويه بشأن الربوبية لأن رب السماوات والأرض يحق حمده على أهل السماء والأرض، فأما أهل السماء فقد حمدوه كما أخبر الله عنهم بقوله‏:‏ ‏{‏والملائكةُ يسبحون بحمد ربّهم‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وأما أهل الأرض فمن حمده منهم فقد أدى حق الربوبية ومن حمد غيره وأعرض عنه فقد سجل على نفسه سِمة الإباق، وكان بمأوَى النار محَلّ استحقاق‏.‏

ثم أتبع بوصف ‏{‏رب العالمين‏}‏ وهم سكان السماوات والأرض تأكيداً لكونهم محقوقين بأن يحمدوه لأنه خالق العوالم التي هم منتفون بها وخالق ذواتهم فيها كذلك‏.‏

وعقب ذلك بجملة ‏{‏وله الكبرياء في السموات والأرض‏}‏ للإشارة إلى أن استدعاءه خلقَه لحمده إنما هو لنفعهم وتزكية نفوسهم فإنه غني عنهم كما قال‏:‏ ‏{‏وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمونِ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56، 57‏]‏‏.‏

وتقديم المجرور في ‏{‏وله الكبرياء‏}‏ مثله في ‏{‏فللَّه الحمد‏}‏‏.‏ والكبرياء‏:‏ الكبر الحق الذي هو كمال الصفات وكمال الوجود‏.‏ ثم أتبع ذلك بصفتي ‏{‏العزيز الحكيم‏}‏ لأن العزة تشمل معاني القدرة والاختيارِ، والحكمةَ تجمع معاني تمام العلم وعمومه‏.‏